2021-06-13
bner4

نـحو فهم واقع الاقتصاد الأردني

أنور عادل الخفش

اعيد نشر مقالتي دون اي تعديل كما نشرت عام 1998 في جريده الراي الاردنيه تناقش دعوه )نـحو فهم واقع الاقتصاد الأردني وسياسه الاعتماد على الذات اساسا للنهوض بالاقتصاد الاردني ( من خلال قراءتي لمداخلة الدكتور عبد السلام المجالي في الحلقة النقاشية الثامنة لجمعية رجال الأعمال الأردنيين والتي انعقدت تحت عنون ” التوجهات الاقتصادية الحكومية” والتي نشرت جريدة الشرق الأوسط مقتطفات منها وبدوري قمت بتحديد المفاهيم الأساسية لمداخلتي على النحو التالي:
– الاعتماد على الذات، الخيار الوحيد للتنمية وعدم الاعتماد على المساعدات الخارجية.
– التحدي الأساسي هو إدارة الموارد والأموال بحيث يعكس الأكلاف الحقيقية والتوزيع العادل لهذه الأعباء وتغطيتها.
– تحديد منهج الحكومة الجديد في التعامل مع القضايا الاقتصادية يجعل القطاع الخاص يتولى مسؤولياته في إدارة الإنتاج والخدمات وفقاً لبرنامج محدد من قبل الحكومة.
– أشار كذالك إلى العقد الاجتماعي الجديد متعهدا بتبني تشريعات مستقرة تنفذ بعدالة وتوفر التسهيلات والحوافز ولتحقيق ذلك لابد من تعزيز وسائل المشاركة حتى تكون الديمقراطية السياسية توأماً للديمقراطية الاقتصادية، مطالباً إعادة إحياء المجلس الاقتصادي الاستشاري وكذلك لإيجاد حلول التشريعات الاستثمارية ، السياسات الضريبية، الأسعار ، الأجور، التخصيص ، معالجة الفقر والبطالة.
وبعد تفكير ودراسة جدية لما طرحة الدكتور المجالي، تجرأت أن أقدم تصوري الذي تحكمه خبرتي المهنية والعلمية وهي بعيدة عن السياسة، مستعرضاً ملامح واقع الاقتصاد الأردني وارتباطه الاستراتيجي بالاقتصاد العالمي. و كذالك مناقشة تجارب بعض الدول الصناعية بمناقشة منهج التصنيع والتصدير كخيار لمستقبل الاقتصاد الأردني في ظل متغيرات مفاهيم اقتصاد النظام العالمي الجديد والمسمى بـ Globalization أي نظرة شمولية للعالم تحت قيادة عالمية، واحدة، والذي تم تحديد ملامحه بالجلسة الختامية للمؤتمر الذي انعقد في باريس تشرين الثاني 1990. وشاركت في المؤتمر الذي انعقد 24 دولة تبنت الإعلان عن النظام العالمي الجديد سعيا لتحقيق الأمان الأوربي والدولي، والذي من خلاله تمت الدعوة لترسيخ الديمقراطية. والحريات الشخصية والاقتصادية وحل الخلافات بالتفاوض. وان التعاون الاقتصادي المتبادل سيحل محل النزاعات.ومن الواضح أنها صورة مثالية لعالم تحكمه المصالح الاقتصادية للدول الكبرى وغياب التوازن الاستراتيجي وتفرد أمريكا بقيادة العالم و التوجه العالمي نحو إيجاد تسوية سلمية لأزمة الشرق الأوسط والتجاوب الرسمي والشعبي لهذا التوجه يفرض على العالم ودول المنطقة خلق آلية متزامنة للمسيرة السلمية والتنمية الاقتصادية للمنطقة بصفة عامة. بذلك يمكن القول أن التحول الاقتصادي المنشود هو صمام أمان العملية السلمية وللاستقرار السياسي بالشرق الأوسط وبذلك فإن الدعوة إلى الديمقراطية الاقتصادية من الدكتور المجالي تتزامن مع بداية التحضير الدولي لبدء مرحلة اقتصادية جديدة بالشرق الأوسط مما يعزز مواكبة الحكومة للتعامل مع المتغيرات.
ابدأ مناقشتي الأولى المستقاة من دراسة تجارب الدول الأخرى في مواجه الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها ونستخلص النتائج ونتبنى ما يتلاْئم مع ظروفنا وأبدأ بالتجربة اليابانية والمعتمدة على ركائز أربعة المرونة ، والادخار ، والولاء ، والكفاءة، ولا بد من الإشارة في هذا المقام إلى الاتفاق الثلاثي الشهير بين الحكومة ورجال الأعمال والعمال عام 1954 والذي يمثل استخداماً للعناصر القومية.
– عدم فصل أي عامل تحت أي ظروف
– لا يرفض العامل أي فكرة جديدة، أو تقنية جديدة
– ضرورة احترام العمال وعدم أهانتهم
– إيجاد آلية تشاور العمال ورجال الأعمال والحكومة باستمرار من أجل تحقيق الإنتاج وزيادة معدلات النمو
هذه العناصر حققت لليابان تطويرا تكنولوجيا واستمرار الرفاهية للعمال والتي مكنتهم من المساهمة في الابتكارات التي ساهمت في تطوير وزيادة الإنتاجية.
والجدير بالذكر أن دخل الفرد في اليابان تعدى مثيله في الولايات المتحدى لأول مرة في عام 1986 وذلك كنتيجة لنمو الاقتصاد الياباني بما يزيد عن 10% سنوياً بين عامي 1955 و 1973 علماً أن السوق المحلي هو المحرك الرئيسي لنمو الاقتصاد الأمريكي بينما يصعد الاقتصاد الياباني على أكتاف صناعات التصدير علماً بأن اليابان لا توجد بها مواد طبيعية يعتمد عليها وبذلك كان التصدير هو الحل الوحيد لمقابلة الواردات المتزايدة ويتميز أداء الاقتصاد الياباني بارتفاع المدخرات وإعادة استثمارها مما يؤدي إلى خفض الواردات ومن ثم تحقيق فوائض ضخمة في الميزان التجاري.
وكحالة أخرى فأنني أود أن أتناول التجربة الكورية حيث استفادت من مدخرات العمالية الكورية العائدة من دول الخليج العربي والتي شيدت بمدينة اومسان الجنوبية مقراً للصناعات التقنية الحديثة والثقيلة التي بدأت بإنتاج الكمبيوتر والسفن والطائرات حيث قام الكوريون بمجارة اليابان ومنافستها في المجالات الصناعية في فترة زمنية لم تتعد 25 عاماً.
وما يستحق الاهتمام في هذه المناقشة الثانية هو استعراض لكتاب بول كنيدي الإعداد للقرن الحادي والعشرين الصادر في 11/2/1993 والذي يعتبر أحد المساهمات القيمة في هذا المجال مستعرضا المنظور الأمريكي الجديد.يجمع المهتمون بالشؤون الدولية أن العالم يشرف على مرحلة خطيرة من المتغيرات، فالتقنية الجديدة أطاحت بأساليب التجارية التقليدية وفي مجال الهندسة الجينية فإنه يمكن زراعة المنتجات الزراعية في معامل مزودة بالتقنية الحيوية مما هدد أساليب الزراعة التقليدية، بالإضافة إلى هذا التحول التقني فإن البشرية تعاني من أثار ناتجة عن النمو السكاني غير المتوازن وأزمات الانفجار السكاني باستهلاك مغدق للموارد الطبيعية.كما أشار إلى التفاوت في اقتصاديات الدول النامية. نفسها حيث كان متوسط دخل الفرد في كوريا وغانا في الستينات ما يقارب 220 دولارا أمريكيا سنويا. أما الآن فان متوسط دخل الفرد في كوريا أكثر من عشرة أضعاف نظيره في غانا. وبعد مرور ثلاثين عاما لحقت كوريا نادي الدول الصناعية العالمي وتخطها لتصبح اكبر دولة صناعية في القرن الحادي والعشرين بيما لازالت أفريقيا يعمها الفقر وسوء التغذية والأمراض المنتشرة والتخلف الاقتصادي والاجتماعي.
كما يطيب لي أن أورد الفقرة الواردة في تقرير الأكاديمية العلوم السياسية الأمريكية في 1962م حيث بلغت حصة دول غرب الباسفيك شرق أسيا في إجمالي الناتج العالمي حوالي 9% والولايات المتحدة وكندا 20% في حين بلغت حصة أوروبا 21% وبعد عشرين عاما من التاريخ المذكور بلغت حصة غرب الباسفيك 15% وأمريكا الشمالية 28% وغرب أوروبا 27% ونهاية القرن الحالي وبيما تقفز حصة دول غرب الباسفيك إلى 25% من اجمالي الناتج العالمي.
ويتساءل بول كنيدي في كتابة ، كيف تحققت معجزة النمو الأسيوية؟ أن أسباب النهضة السريعة لهذه الدول يرجع للاهتمام المتزايد بالتعليم النوعي فبموجبة تم تعزيز التوافق الاجتماعي وتوفير أيد عاملة عالية الكفاءة. كذلك يتميز مجتمع النمو الجديد بارتفاع القدرة الادخارية. وتوفير قروض بنسبة فوائد منخفضة للاستثمار في القطاع الصناعي والتجاري. أي انه تم ضبط الاستهلاك ومستوى المعيشة. وذلك عن طريق منح استيراد الكماليات وحظر انتقال رؤوس الأموال للخارج مما وفر سيولة هائلة لتمويل الصناعات ومن أسباب النهوض أيضا وجود نظم سياسية واقتصادية قوية ومستقرة, على الرغم من تشجيع الاستثمار الخاص والملكية الفردية إلا أن هذه الأنظمة لم تتبنى النظام الاقتصادي الحر , وكما أن الصناعات منحت أشكالا من الدعم كإعانة الصادرات والحماية الجمركية وفرص التدريب والتأهيل للكوادر الإنتاجية وكذلك وضع قيود على حركة ونشاط النقابات. والعامل المهم الذي سارع في عملية التنمية هو تشجيع صناعة التصدير.
أبدأ مناقشتي الثالثة في قراءة بعض جوانب متغيرات واقع الاقتصاد الأردني الراهن وأثار الركود والعجز المزمن في ميزان المدفوعات الذي شكل نسبة 23% خلال الفترة من 1986 حتى 1992 وارتفاع حجم المديونية وأثار حرب الخليج المتمثلة في العقوبات الاقتصادية والتضييق المفروض على الصادرات الأردنية لدول الخليج وإيقاف المساعدات الخارجية وانخفاض حوالات العاملين والتي أحدثت خللا هيكليا بالاقتصاد الأردني وانعكاساتها متمثلة في تزايد معدلات الاستهلاك. وانخفاض معدل نمو الناتج المحلي وبالتالي انخفاض مستوى دخل الفرد ويصل على اقل من ألف دولار سنويا وارتفاع معدل البطالة يصل إلى 20% كذلك بلغ معدل التضخم بالأردن مقارنة بالأرقام القياسية تكاليف المعيشة 16.12% خلال الأربعة شهور الأولى لعام 1992م. وكانت أعلى نسبة ارتفاع نسبة السكن والنفقات المنزلية للاسره الاردنيه بنسبة 9% وللمواد الغذائية بنسبة 5.7% بذلك يكون معدل التضخم المحقق فعليا 6% قد تجاوز النسبة المخطط لها في برنامج التصحيح والتي قدرت ارتفاع الأسعار بنسبة 4% فقط نتيجة لما سبق نستطيع القول أن عظم الصعاب والتحديات يفرض علينا البحث عن وسائل التفاؤل ومواجهة الواقع بتجرد وموضوعية. أن أي برنامج إصلاح اقتصادي يجب أن يبدأ بالإجابة على التساؤل الآتي:
ما هي الآلية التي يمكن أن تحول أوضاعا اجتماعيا واقتصادية صعبة وقاسية إلى أوضاع مفعمة بالحيوية والإنتاجية والإبداع الشامل؟ إن هذه الكيفية متمثلة بالحاجة الماسة إلى تعزيز وعينا التاريخي وإجراء الدراسات النقديه و التحليلية للتجارب السابقة على أن يرافقه اهتمام بتجارب الأمم التي سبقتنا في هذا المضمار أخذين حاجتنا من برامجهم الاقتصادية بما يتلاءم مع ظروفنا الاجتماعية والسياسية وخصوصية اقتصادنا . كما أن التنمية المنشودة تؤدي إلى خلق مجتمع مبدع منتج فالعقبة الرئيسية هي مواجهة تحديات عصرنا الحالي بتعقيداته وتهيئة الاستعداد الذاتي لخلق وتحويل هذه التحديات لتكون فرصة متاحة بالمستقبل القريب, مما يفرض علينا التوسع في ميدان العلوم والتكنولوجيا والتوجه إلى الخيار الصناعي والتصدير بحيث يرتقي التوسع بالصناعة إلى مستوى حاجة المجتمع الأردني بل يتعداه إلى زيادة حجم الصادرات وتنويعها وهذا يضعنا أمام مطلب مهم وهو تعزيز تنمية القوى البشرية العاملة في مجال العلوم والتكنولوجيا ودعم الإدارة العلمية ليشمل ذلك المؤسسات الأكاديمية وكافة القطاعات المهنية
• تبني برامج وقع السيطرة الحكومية والتخصص وتوسيع الإثمان والتركيز على القروض المدعومة باعتبارها أحد أدوات السياسة الصناعية.
• تعزيز منظومه التعليم النوعي ليكون احد اهم مرتكزات المؤسسات الانتاجيه للصناعات الهندسيه وانتاج التقنيه الحديثه وتتنميه صادراتها وتطوير اساليبها واستخداماتها لاحتياجات الدول المتقدمه فليكن هدفا وطنيا استراتيجي تتميز به الاردن كمركز قوه مستقبلي .
• برامج الإصلاح الاقتصادي المنشود نـحو إمكانية تحقيق معدلات نمو أسرع نتيجة لتوجه الجهود الحكومية إلى الحافظة على الاستقرار الاقتصادي من خلال إتباع سياسات نقدية ومالية محافظ, وإيجاد خطة حكومية رشيدة تحد من تأثير الزيادة السكانية والتقنية الحديثة وإيجاد التشريعات اللازمة لمحاربة الفساد والجريمة الاقتصادية والتعامل معها بحزم, والتطبيق النزيه لهذه القوانين والتشريعات.
ولتحقيق الاستقرار الاقتصادي هناك مطلب شعبي وهو عودة وفورات (مدخرات) العمالة والمؤسسات الوطنية بالخارج وذلك بهدف استثمارها لضمان جريان حركة الأموال مما يؤدي إلى زيادة فرص العمل الإنتاجية ومن ثم زيادة الصادرات وتخفيض الواردات وتحسن معدل دخل الفرد وتحسن معدلات الادخار ويساهم ذلك بتحقيق وفورات في ميزان المدفوعات ويتم استخدام جزء من هذه الوفورات باستيراد التقنية والمعدات والآلات لزيادة معدل نمو الإنتاجية ومن ثم الصادرات.
ان العمل على زيادة معدلات الاستثمار وإيجاد عوامل جذب للاستثمار الرأسمالي من الخارج وإيجاد نظم لدمج الرأسمال المغترب في إطار الاقتصاد الوطني ألاردني وفق خطه استجابه حكوميه ووطنيه هدف من اولاويات الحكومات الاردنيه. وذلك بإتباع سياسة مالية ونقدية لخدمة الاقتصادي الوطني كونه يعتبر حافزا و صمام أمان لتشجيع الاستثمار مع مراعاة استقرار هذه السياسات.
أطلب من زملائي وأستاذي بالتروي عند تقييم هذه المقالة وهي تعتبر أراء شخصية لمواطن أردني مغترب يحاول أن يخدم وطنه بفكرة وعليه يؤمن بأن المشكلات يمكن التغلب عليها بتكافل وتضامن كافة المؤسسات الوطنية.إن إقامة حوار بناء مطلب وطني يستهدف فهم واقع الاقتصاد الأردني ورسم العلامات لمسيرة نهضة اجتماعيه واقتصاديه، أخذين بعين الاعتبار ضرورة توفر المعرفة الوثيقة لخصوصيات اتجاهات الاقتصاد الأردني والمؤثرات المحلية والخارجية التي تتفاعل مع خطة العمل الحالية والمستقبلية. وأن يكون هذا باتجاه خلق التوازن بين برامج التنمية ومقدراتنا الذاتية بما يتلاءم مع توجهات قيادتنا الهامشية الحكيمة.
ختاماً
أريد أن نستذكر معا بما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه صلاح المال في ثلاث” أن يؤخذ من حق ويعطى في حق ويمنع من باطل”

د.انور عادل الخفش
كاتب وخبير الاقتصاد السياسي
رئيس مؤشر المستقبل الاقتصادي
رسالتنا : الخير في ان نتحاور والمصلحه في ان نعرف

اقرأ السابق

الازمة الاقتصادية العالمية 2020 بين الوهامون بالامر المحتوم والمصير المجهول

اقرأ التالي

قمة أوساكا واعادة هيكلة الجغرافيا الجديدة