2021-06-14
bner4

رئاسة جو بايدن لن تكون عودة إلى الطبيعية

يواجه الرئيس القادم للولايات المتحدة تحديات غير مسبوقة تقريبًا، محليًا ودوليًا على حد سواء.

–  جريمي كليف* – 

سيكون من الصعب عليّ، كمراقب لمجريات الأمور في الولايات المتحدة (ناهيك عن كوني مواطناً ليبرالي العقلية في هذا البلد) ألا أتنفس الصعداء بمجرد أن يؤدي جو بايدن اليمين الدستورية. مرة أخرى، سوف يقود أقوى دولة في العالم شخص يتمتع بالنضج واللياقة والعمق العاطفي. لكنّ الأكثر من ذلك هو أن بايدن شخص مألوف تمامًا أيضًا. فقد انضم إلى مجلس الشيوخ في العام 1973، وترشح لأول مرة لمنصب الرئيس في العام 1988، وقاد لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ لأول مرة في العام 2001. كما أنه أصبح شخصية سياسية عالمية منذ فترة طويلة في العام 2008، عندما اختاره الرئيس الأسبق باراك أوباما ليتسابق في فريقه على منصب نائب الرئيس. ومن حيث الشخصية، يعد بايدن في كل تفصيل منه النموذج الأصلي القابل للتمييز لسياسي أميركي من القرن العشرين، مع أصداء مخصوصة من رؤساء عائلة كينيدي. وقد تكون متحمساً لبايدن وقد لا يكون، لكنك تعرف حتماً أين تقف منه.

ومع ذلك، فإن مساواة رئاسته بالعودة إلى الطبيعية هي قراءة خاطئة تمامًا. في المظهر والأسلوب، قد يبدو الأمر وكأنه استعادة؛ إعادة تشغيل تعيد الولايات المتحدة إلى ما كانت عليه في العام 2016 -أو قبل ذلك. لكن التحديات التي يواجهها بايدن والقرارات التي سيترتب عليه مجابهتها تعني أن رئاسته ستكون أي شيء سوى ذلك.

على الصعيد المحلي، سوف تستمر الآثار التي خلفتها إدارة دونالد ترامب في المشهد. فقد أصبحت السياسة الأميركية مستقطبة أبعد من أي شيء كان يمكن تخيله قبل أربعة أعوام. وأظهر استطلاع جديد أجراه مركز “بيو” أن 64 في المائة من الناخبين الجمهوريين وذوي الميول الجمهورية كانوا يعتقدون -خطأً- بأن ترامب سيفوز بالتأكيد، أو ربما يفوز، في الانتخابات التي أجريت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وأن 57 في المائة كانوا يعتقدون بأنه يجب أن يظل شخصية سياسية رئيسية. وتشير دراسة استقصائية أجرتها شركة البيانات YouGov مؤخرًا إلى أن 45 في المائة من الجمهوريين أيدوا اقتحام مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني (يناير). والمشاهد من واشنطن العاصمة، التي تبدو اليوم وكأنها مدينة أجنبية تحت الاحتلال الأميركي أكثر من كونها عاصمة سعيدة وواثقة، ما تزال تذكرنا بأعمال الشغب. وبغض النظر عن حسن سير مراسم التنصيب، فإنه لا يمكن القول إن ذلك كان انتقالًا “سلميًا” للسلطة.

أمّا أن الولايات المتحدة وصلت إلى هذه النقطة، فواقع يتحدى على الأقل بعضًا من أحلك المخاوف التي حامت فوق الرؤوس في الفترة التي سبقت الانتخابات. ولا شك في أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس هي شيء جيد لقدرة الإدارة القادمة على البدء في شفاء البلاد. ولكن ليس من الصعب أن نتخيل نتيجة انتخابات رئاسية أضيق، والتي كانت لتنتهي بطريقة أكثر فوضوية. كما أنه ليس من الصعب تخيل عالم من دون جائحة “كوفيد -9” والذي يكون فيه ترامب قد فاز بولاية ثانية. وفي مقال كئيب في العدد الأخير من مجلة “فورين أفيرز”، كتب عالم السياسة فرانسيس فوكوياما أنه حتى مع وجود أغلبية ديمقراطية في مجلس الشيوخ، “سوف يحتاج الرئيس المنتخب جو بايدن إلى الحظ والمهارة لتمرير حتى التشريعات غير الطموحة نسبيًا”، وأن الإصلاحات التي يمكن أن تحسِّن الديمقراطية الأميركية حقاً (مثل تحديث نظام المجمع الانتخابي) ستكون على الأرجح بعيدة المنال. ومن السهل تماماً تخيل استبدادي أكثر كفاءة وقسوة من ترامب وهو يفوز بالرئاسة في العام 2024 أو 2028 -وهي حقيقة ستظل تحوم فوق رئاسة بايدن.

الانقسامات العرقية في الولايات المتحدة، والتفاوت الاقتصادي المروع، والاستيلاء على السياسة بالمال الوفير، والخلافات حول الحقيقة الأساسية للأحداث، واستحالة الإجماع العابر للأحزاب على الإصلاح -ليست أي من هذه القضايا جديدة في السياسة الأميركية. لكنها أصبحت الآن، بفضل ترامب بطرق عديدة، والوباء وعوامل تكنولوجية واقتصادية أخرى، شديدة جداً لدرجة تجعل أي حديث عن “الطبيعية” سيكون مثيرًا لضحك قاتم.

ثم هناك الصورة الدولية. وهنا، تكون أي فكرة عن وجود طبيعية مستقرة -حتى قبل تولي ترامب الرئاسة- في غير محلها. كانت العديد من التحولات خلال فترة رئاسته -سيادة علاقة باهتة عبر الأطلسي، وتمحور غير مؤكد نحو آسيا، وانسحاب أميركي من الشرق الأوسط، وتوترات متزايدة مع الصين الصاعدة- كانت كلها قادمة قبل قدوم رئيس “أميركا أولاً”. ولكن مرة أخرى، تقدّمت الاتجاهات التي كانت سائدة مسبقاً قبل ترامب كثيرًا في الأعوام الأربعة الماضية. المؤسسات العالمية أصبحت أضعف، والأزمات -مثل حالة الطوارئ المناخية- أصبحت أكثر إلحاحًا، وبعد عام عاث فيه وباء فساداً في عالَم بلا قيادة، أصبح حدوث الكوارث الإنسانية أكثر احتمالاً.

الأوروبيون والحلفاء الآخرون تخلوا أخيراً عن أوهامهم بشأن تحالفاتهم مع الولايات المتحدة. وأظهر استطلاع جديد أجراه “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” أنه حتى في ضوء رئاسة بايدن القادمة، توقع 49 في المائة فقط من الأوروبيين الذين شملهم الاستطلاع أن يتمكن البلد من حل مشاكله الداخلية وأن يستثمر في حل المشاكل العالمية. وينعكس مثل هذا التفكير في قرارات سياسية ملموسة. وكانت اتفاقية الاستثمار الجديدة بين الاتحاد الأوروبي والصين، والتي تم إبرامها على الرغم من كل اعتراضات فريق بايدن الانتقالي، مدفوعة بإحساس في أوروبا (بما في ذلك على أعلى المستويات الحكومية) بأن القارة لم يعد بوسعها الاعتماد على الولايات المتحدة ويجب عليها التحوط في رهاناتها طويلة الأجل.

في الولايات المتحدة والأماكن الأخرى، شجعت أعوام ترامب القوميين والسلطويين بشكل كبير. وسوف يستمر إرث الرئيس المنتهية ولايته في فعل ذلك تحت شعار أن ما يسري في الولايات المتحدة، القوة الديمقراطية العظمى، سوف يسري بالتأكيد في البلدان الأخرى أيضًا. شاهِد جايير بولسونارو، رئيس البرازيل، الذي بدأ بالفعل في تقليد احتجاجات ترامب حول بطاقات الاقتراع المزورة قبل انتخابات بلاده في العام 2022. وقد يرغب أولئك الذين يتساءلون كيف كانت محاولات ترامب لإلغاء النتيجة لتنتهي في بلد فيه مؤسسات أضعف في الانتباه لما يحدث في البرازيل.

ثم هناك الصين. لا تعرِضُ بكين قطب قيادة منافسًا مثل منافس أميركا القديم، لكنها ملأت الفجوات التي خلفتها مغادرة الإدارة الأميركية للهياكل التعددية: فهي تصبح صوتًا مهيمنًا في منظمة الصحة العالمية، وتجعل اللقاحات التي تنتجها متاحة للحكومات الشريكة، وتزيد من وصولها الدبلوماسي في أماكن مثل إفريقيا والشرق الأوسط، حيث كان الغرب الذي بلا قيادة غائبًا أو غير متساوق.

والأهم من ذلك كله، نمت الصين. ويعني تعافيها القوي من الوباء أن اقتصادها، حسب توقعات مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال (CEBR) سوف يتفوق على اقتصاد الولايات المتحدة ويصبح الأكبر في العالم بحلول العام 2028؛ أي قبل خمسة أعوام مما كان متوقعًا، وسوف يمضي قدمًا بسرعة بعد ذلك. وبحلول العام 2035، تشير تقديرات مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال إلى أن الناتج المحلي الإجمالي السنوي للصين سيصل إلى 49 تريليون دولار، مما يجعله أكبر بمقدار الثلث من الاقتصاد الأميركي الذي سيقف في ذلك الحين عند 36 تريليون دولار. لهذا العالم يجب على إدارة بايدن أن تُعِدَّ الولايات المتحدة -في وقت يتساءل فيه العديد من حلفائها وشركائها أحيانًا عن مصداقيتها الأساسية.

في هذه المرحلة، من الضروري أن نلاحظ، نعم، أن الولايات المتحدة لديها قدرة هائلة على التغيُّر والتقدم. إن شخصيتها نفسها، كأمة شابة مهاجرة، تحارب ضد شطبها. وقد مرت بفترات من الأزمة والتراجع من قبل (الحرب الأهلية، الكساد العظيم، السبعينيات) وخرجت دائماً من الجانب الآخر. وغالبًا ما فشلت القوى العظمى في العالم، بدءًا من الإمبراطورية الرومانية وما بعدها، عندما توقفت عن جذب ودمج القادمين الجدد؛ عندما أصبحت جامدة ومنغلقة وآفلة. ولكن، على النقيض من ذلك، ما تزال قدرة الولايات المتحدة الدائمة على جذب الموهوبين وتوليد العديد من -أو معظم الاختراقات- الأحدث والأكثر إثارة في التكنولوجيا والعلوم هائلة، وسوف تعززها الإدارة القادمة بالتأكيد. ومن الجدير ملاحظة أن احتجاجات “حياة السود مهمة”، التي انتقدت التفاوت الحاد داخل الولايات المتحدة ولكنها أثارت احتجاجات دولية، كانت دليلاً على القوة الناعمة للبلد. وفقط عندما يتردد صدى الاحتجاجات المحلية في الصين بهذه القوة في جميع أنحاء العالم بحيث تلهم لحظات تقلِّدها، وتستهدف المظالم العالمية والمحلية، سيكون لوضع أميركا كقوة عظمى ناعمة عالمية منافس خطير.

ومع ذلك فإن الصورة قاتمة في الحقيقة. ويمكن مقارنة ميراث بايدن الصعب بميراث فرانكلين دي روزفلت، أو هاري إس ترومان أو ليندون بي جونسون. لكن كل هؤلاء الرؤساء تولوا مناصبهم في وقت كانت فيه الولايات المتحدة ما تزال القوة الاقتصادية الرائدة بلا منازع، وهو وضع احتفظت به منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، ومن شبه المؤكد أنها ستتنازل عنه للصين في الأعوام العشرة المقبلة. وعلى المرء أن يعود إلى زمن الحرب الأهلية، إلى السابقة النبيلة لأبراهام لنكولن والمحزنة لأندرو جونسون، حتى يجد رؤساء وجدوا أنفسهم في مواجهة تحديات بهذا الحجم.

من نواح كثيرة، يعتبر التحدي الذي يواجهه بايدن فريدًا في التاريخ الأميركي. الولايات المتحدة بلد يعرِّفه ويزوده بالطاقة ارتياد الحدود الجديدة؛ من خلال السعي إلى المضي قدمًا، وصعودًا وإلى الخارج. وقد بدأت تلك القصة بالقيم (لا ضرائب من دون تمثيل)، وأصبحت جغرافية (الاندفاع غربًا)، ثم قومية (رأسمالية السوق الحرة)، وكوكبية (الحرب الباردة) ورقمية (الإنترنت). والآن، ولأول مرة منذ إنشائها، أصبحت قوى التاريخ تدفعها وراءاً، ونزولاً، وإلى الداخل.

وليست هذه عودةً إلى الطبيعي -ولا حتى طبيعياً جديداً. إنها شيء جديد تمامًا في التاريخ الأميركي، وإن كانت له جذور في الاتجاهات والسمات القديمة. ومن المؤكد أن بايدن هو شخص آمِن، ومعروف ومألوف. ولكن، سوف يُحكَم عليه من خلال قدرته على التعامل مع كل ما هو ليس كذلك.

* جريمي كليف –  المحرر الدولي لمجلة “ذا نيو ستيتسمان”.

*نشر هذا المقال تحت عنوان :

 Joe Biden’s presidency will not be a return to normality

الكاتب Jeremy Cliffe

اقرأ السابق

أوبزيرفر : قرارات بايدن التنفيذية ليست بديلا عن الخطط الإستراتيجية .. غير النبرة فهل سيغير الجوهر؟

اقرأ التالي

يواجه جو بايدن بالفعل مشكلة حليف