2021-09-21
bner4

فهم “تطبيع” المغرب مع إسرائيل

بقلم محمد اشتاتو

تحليل موجز

يمكن فهم التقارب الأخير بين المغرب وإسرائيل جزئيًا من خلال التاريخ الطويل في العلاقات بين الدولة والأقلية اليهودية هناك.

يعود تاريخ تقارب العلاقات بين المغرب وإسرائيل إلى سنوات متعددة، لا سيما في المجالين الاقتصادي والتجاري. ولا يرتبط بالتالي قرار المغرب بمسألة الاعتراف بالدولة، بل هو استئناف للعلاقات السابقة. وبفضل الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، أصبح بإمكان التجارة مع إسرائيل أن تنمو بدورها. فالمملكة المغربية وافقت على طلب إسرائيلي قديم: إقامة جسر جوي مباشر لنقل أفراد من المجتمع اليهودي المغربي والسياح الإسرائيليين من وإلى المغرب. ويَعدُ اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء مقابل تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل بمزايا اقتصادية أيضًا – رغم أن ذلك قد يشعل فتيل التوترات مع الجزائر أو مع “جبهة البوليساريو”.

لكن من الخطأ الادعاء أن العلاقة الرسمية المقامة حديثًا هي “مجرد” عودة إلى علاقة قديمة لأن تلك العلاقة العلنية السابقة انقطعت لعقدين كاملين من الزمن، لا سيما بسبب الخلافات حيال القضية الفلسطينية. ففي العام 1994، وبعيْد التوقيع على اتفاقيات أوسلو الأولى بين الفلسطينيين وإسرائيل، أقام الملك الحسن الثاني علاقات دبلوماسية على مستوى أدنى (من دون تبادل سفراء). وباتخاذه لهذا القرار، أصبح المغرب الدولة العربية الثالثة – بعد مصر والأردن – التي تقيم علاقات رسمية مع الدولة اليهودية. لكن الملك المغربي الحالي، محمد السادس، قطع هذه العلاقات في النهاية في 21 تشرين الأول/أكتوبر من عام 2000 بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، في إشارة إلى دعم الفلسطينيين.

ومع عودة العلاقات، اتخذ الملك المبادرة واتصل برئيس “السلطة الفلسطينية” محمود عباس وأكّد على دعم بلاده الثابت للقضية الفلسطينية. وقد كرر مسؤولون مغاربة آخرون، بمن فيهم رئيس الوزراء سعد الدين العثماني ووزير الخارجية ناصر بوريطة، هذا الدعم. ومن الجدير ذكره أنه مقابل ذلك، التزم على ما يبدو كبار المسؤولين في “السلطة الفلسطينية” الصمت عمومًا حيال هذا التطبيع الأخير الذي تجريه دولة عربية مع إسرائيل – في تناقض واضح مع وابل الانتقادات اللاذعة الذي أمطروا به الإمارات والبحرين والسودان عندما أقدمت هذه الدول على هذه الخطوة.

الخلفية التاريخية بمعنى معاصر

في الوقت نفسه، يتمتّع أيضًا انفتاح المغرب على إسرائيل بجذور عميقة تاريخية وثقافية ودينية وحتى شخصية. فثمة صلة مميزة تجمع البلدين، ترتكز جزئيًا على المجتمع اليهودي المغربي. وصحيح أن هذا المجتمع لم يشارك مباشرة باتفاق التطبيع الجديد؛ ففي الواقع تفاجأ أفراده بقدر الآخرين تمامًا، لكن تأكيدات المسؤولين المغاربة الأخيرة على أن تراث الأقلية اليهودية في البلاد يشكّل خلفية العلاقات مع إسرائيل ليست مجرد خطابات.

وكرّس أيضًا الدستور الموضوع في عام 2011 في مقدمته غنى وتنوع المكونات المغاربة. وينص الدستور على أن المملكة المغربية هي:

دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوؤ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء.

يُذكر أن اليهودية واليهود موجودون منذ قيام المملكة المغربية نفسها تقريبًا. وبالفعل، يعود تاريخ أول تدفق لهم على الأرجح إلى نحو سنة 70 م.، بعدما دمر الرومان القدس. وبقي اليهود يعيشون في المغرب حتى هجرتهم الجماعية إلى إسرائيل بعد قيام دولة إسرائيل في عام 1948. وانتشروا في أرجاء البلاد كافة، في القرى والبلدات والمدن، واعتاشوا عمومًا من التجارة والتبادلات والأعمال المصرفية. ونظرًا إلى خبرتهم الواسعة في مجال التجارة الدولية، عينهم السلاطين المغاربة كوكلائهم الماليين والتجاريين وحملوا لقب: تجار السلطان. 

صفرو، مدينة التعايش الديني

تقدّم مدينة صفرو الواقعة على بعد 30 كيلومترًا جنوبي فاس خير مثال على التعايش بين الأديان في المغرب حيث لقبوها بمدينة “القدس الصغيرة “. ففي هذه المدينة، عاش المسلمون واليهود معًا بتناغم، إلى درجة أنهم كانوا يبجلون “النبي” نفسه المدفون في مغارة في جبل مجاور. ومن باب اللباقة، كان يُطلق على الموقع اسم “كهف المؤمن” لأنه كان معبدًا دينيًا للمسلمين واليهود على السواء، وقد جرى تقسيم أوقات الصلاة بالتساوي.

ولا تقتصر الأمثلة في المغرب على صفرو، فحسب؛ بل ينتشر التعايش المماثل في أماكن أخرى على غرار دبدو وأزرو وفاس والرباط ومكناس ومراكش وغيرها. وفي هذه المدن كافة، عاشت مجتمعات كبيرة من اليهود الذين مارسوا معتقداتهم الدينية وتبادلاتهم التجارية بسلام وتناغم. فقد كانوا مواطنين مغاربة فعليين، وعليه تمتعوا بالحقوق والواجبات كافة أسوةً بإخوانهم المسلمين.

وفي خلال الحرب العالمية الثانية عندما أرادت فرنسا المحتلة من النازيين اضطهاد يهود المغرب، رفض الملك محمد الخامس الأمر. ودعا إلى اضطهاد جميع المغاربة، إن كان لا مفر من ذلك، باعتبار أن اليهود هم مواطنون تمامًا كغيرهم من المغاربة وهو المسؤول عن سلامتهم.

وسار الملك الحسن الثاني على خطى والده، وعامل اليهود المغاربة باحترام كبير. فقد عين أحدهم، أندريه أزولاي، مستشارًا ملكيًا وكان له دور مهم في التقارب بين مصر وإسرائيل في عام 1977 في عهد أنور السادات، ولاحقًا في الاتصالات السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي أفضت إلى اتفاقات أوسلو في عام 1993.

وعلى هذا الصعيد الهام، لا يختلف العاهل المغربي الحالي، الملك محمد السادس، عن أسلافه. فهو رجل مؤمن بالحوار والتعايش المشترك. ونتيجة لذلك، يشكّل المغرب اليوم ملاذًا للسلام والتعايش بين الأديان والثقافات كافة. واليوم، يتغنى المغاربة بفخر بهويتهم المتعددة والمركبة – المؤلفة من الأمازيغ والعرب والمسلمين واليهود والأفارقة والأندلسيين والمتوسطيين.

الافتخار بالإرث اليهودي المغربي

يأسف المغاربة صراحةً على مغادرة اليهود للمملكة بين عاميْ 1948 و1973. وقد تبلور ذلك جليًا في وثائقي بعنوان “تنغير-القدس، أصداء الملاح” الذي أخرجه كمال هشكار وعُرض على الشاشات العالمية. ورسميًا، ومنذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني، لا يزال اليهود المغاربة كافة الذين غادروا البلاد يحتفظون بالجنسية المغربية ويمكنهم العودة إلى المملكة متى رغبوا في ذلك. 

ومؤخرًا، أطلقت الحكومة المغربية في العام 2010، بمبادرة من الملك محمد السادس، برنامجًا لإعادة تأهيل المقابر والمعابد وغيرها من النصب اليهودية. وعليه، جرى ترميم 167 موقعًا في 14 منطقة، وطُرح كتاب بعنوان “إعادة تأهيل مقابر اليهود بالمغرب – بيوت الحياة” في شباط/فبراير 2015 في “معهد العالم العربي” في باريس، في إطار المعرض- الحدث “المغرب المعاصر”. في هذا الإطار، كتب سيرج بيرديغو، ممثل المجتمع اليهودي المغربي في البلاد، واصفا مغزى عملية لترميم والتأهيل بالنسبة لمجتمعه حيث قال: لهذه الخطوة أهمية رمزية ودينية كبيرة إذ تعكس التزام المملكة بقيم الاعتدال والحوار واحترام الآخرين. إنها تعبير عن حقيقة وثقافة متجذرة في تاريخ المملكة الطويل.

مقبرة نموذجية لليهود في المغرب

ويُعتبر المغرب اليوم الدولة العربية الوحيدة التي تضمّ متحفًا مخصصًا حصرًا لتقاليد اليهود الذين عاشوا في البلاد لأكثر من ألفي سنة وثقافتهم المادية. ولا يزال بعضهم يعيش اليوم في المملكة بسلام وكرامة واحترام، رغم أن عددهم تراجع من 250 ألف تقريبًا في عام 1947 إلى حوالي 5 آلاف حاليًا. ويتمركز حاليًا المجتمع اليهودي المغربي عمومًا في الدار البيضاء ويشتهر بنشاطه على صعيد تنمية البلاد اقتصاديًا وبحسّه الوطني الكبير.

 شركاء متحمسون في إسرائيل ولكن إلى أي مدى؟

لا يزال القسم الأكبر من حوالي مليون إسرائيلي من أصول مغربية متعلقًا بأرضه التاريخية ولا يخفي الأمر. فبعضهم يحتل مناصب رفيعة في الإدارة الإسرائيلية: تضم حكومة بنيامين نتنياهو المشكلة في أيار/مايو ما لا يقل عن 10 وزراء من أصول مغربية جزئيًا على الأقل. وفي خلال السنوات العشرين الماضية، استمرت عمومًا العلاقات بين المغرب وإسرائيل بفضل “التبادلات الثقافية” مع هذا المجتمع.

والآن وبعد استئناف العلاقات الدبلوماسية والتجارية المفتوحة، من المتوقع أن يلعب هذا المجتمع الهام من الناحيتين العددية والسياسية دورًا داعمًا كبيرًا يترافق مع تزايد التبادلات على صعيد الأمن، والأعمال، والعلوم/الطب/البيئة، وغيرها من المجالات. ونتيجةً لذلك، حتى إن لم تندرج هذه الترتيبات الثنائية الناشئة ضمن إطار التطبيع الكامل في الوقت الراهن، من المتوقّع أن تزدهر الروابط العملية والشخصية.

وقد يؤدي ربما ذلك إلى إحلال سلام شامل في المنطقة أيضًا، بما أن المغرب ساهم في ما مضى بالمبادرات المصرية والفلسطينية تجاه إسرائيل. فالمملكة جاهزة للاضطلاع بهذا الدور مجددًا. ولكن لا يزال مدى استعداد الإسرائيليين والفلسطينيين أو غيرهم لسلوك هذا المسار يطرح سؤالًا مفتوحًا حتى مع دخول العلاقات المغربية-الإسرائيلية الثنائية مرحلة جديدة من التعاون الذي يعود عليهما بالفائدة – بمباركة أمريكية جديدة على أمل أن تكون دائمة.   

 *منتدى فكرة هو مبادرة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. والآراء التي يطرحها مساهمي المنتدى لا يقرها المعهد بالضرورة، ولا موظفيه ولا مجلس أدارته، ولا مجلس مستشاريه، وإنما تعبر فقط عن رأى أصاحبه.

*الدكتور محمد اشتاتو هو أستاذ العلوم التربوية في جامعة الرباط، ويعمل أيضا كمحلل سياسي لدى وسائل الإعلام المغربية والخليجية والفرنسية والبريطانية حيث يركز على الثقافة والسياسة في الشرق الأوسط، كما يركز أيضا على الإسلام والإسلاموية وظاهرة الإرهاب. اشتاتو متخصص أيضا في الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث يركز على جذور الإرهاب والتطرف الديني.

اقرأ السابق

لم تكن أعمال شغب الكابيتول هيل انقلابا. كانت محاولة للحفاظ على التفوق الأبيض

اقرأ التالي

اقتراحات غريبة بتسليم ملف الفساد “للجيش والعشائر”.. برلمان الاردن ونقاشات “الثقة بالخصاونة”: عبارات “قاسية” ضد وزير المالية وترقب وانتظار لما سيقوله “الدغمي” وكتلة “الشعب المناكفة” ومناخ “المايكروفون” يزداد سخونة