2021-06-24
bner4

قد تخفف التغييرات الهادئة التوترات مع بايدن؟

صحيحٌ أن الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن يُعد أحد أبرز منتقدي سياسات المملكة العربية السعودية، إلا أن توليه رئاسة الولايات المتحدة يتزامن مع شروع السعودية في تنفيذ عدَّة تغييرات مثل تقليص أحكام الإعدام بقطع الرؤوس، وإزالة خطاب الكراهية من المناهج الدراسية، بالإضافة إلى تحديد المدة التي يقضيها الناشطون داخل السجون السعودية.

بقلم بن هوبارد

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تقريرًا أعدَّه بن هبارد، مدير مكتبها في العاصمة اللبنانية بيروت، سلَّط فيه الضوء على عدد من التغييرات التي شرعت السعودية في تنفيذها بعد وصول جو بايدن إلى سدَّة الحكم، الذي وعَدَ بإعادة تقييم العلاقات مع المملكة و«معاقبتها» وبخاصة فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان ومقتل جمال خاشقجي، ولذلك تحاول السعودية استرضاء الإدارة الأمريكية الجديدة والتهدئة من حدة التوترات بين البلدين.

تقدم ملحوظ في مسائل عديدة وإشادات حقوقية

في مستهل تقريره، أشار الكاتب إلى أن وصول جوزيف آر. بايدن إلى البيت الأبيض قد يكون بداية لعلاقة أمريكية أقل انسجامًا مع السعودية، ولكن السعودية بات بمقدورها لَفْت الانتباه إلى ما أحرزته مؤخرًا من تقدمٍ في عدد من القضايا التي أدَّت إلى حدوث خلافات مستمرة بينها وبين الولايات المتحدة.

يقول الكاتب إن السعودية، التي تُعد منذ مدة طويلة أحد أكثر الدول تنفيذًا لأحكام الإعدام في العالم، أعلنت يوم الاثنين عن تراجع عدد حالات الإعدام بنسبة 85% في عام 2020 بسبب الإصلاحات القانونية التي أجرتها البلاد. وذكرت المنظمات والمجموعات التي تُوثِّق خطابات التحريض ضد غير المسلمين في المناهج الدراسية السعودية، أن أغلب النصوص المُحرِّضة على العنف ضد الآخرين قد أُزيلت من الكتب المدرسية. وبالإضافة إلى ذلك، تزامن تحديد مدة عقوبة السجن التي حُكِم بها على اثنين من أبرز الشخصيات السعودية المُعارِضة بسبب نشاطاهِما السياسي مع تولى بايدن زمام الحكم في الولايات المتحدة (أكبر حليف للسعودية).

وقد أشادت منظمات حقوق الإنسان بهذه التغييرات، لكنها في الوقت ذاته أكدَّت على أن السعودية ما زالت تفشل في توفير الحقوق الأساسية في جوانب عديدة أخرى. يقول آدم كوجل، نائب مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، إنه: «صحيحٌ أن هناك كثيرًا من الإصلاحات الجيدة التي تثير حماستك، لكن الغياب التام لأي نوع من حرية التعبير واستمرار حملة القمع السياسي لم تُخوِّل للسعودية الحصول على مزيد من الثناء والإشادة بفضل هذه التغييرات».

جزء من إصلاحات ولي العهد

واستبعد الكاتب أن يقتصر الهدف من جميع هذه التغييرات التي نفَّذتها السعودية على استرضاء الإدارة الأمريكية الجديدة في واشنطن فحسب، مُرجِّحًا أن يكون كثيرٌ من هذه التغييرات جزءًا من عمليات الإصلاح التي بدأها الحاكم الفعلي للسعودية، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وأصبح الأمير محمد القوة الدافعة للتغيير في البلاد منذ تولي والده الملك سلمان عرش المملكة في عام 2015، والسعي نحو تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط وتخفيف القيود الاجتماعية الصارمة.

بيد أن ابن سلمان اكتسب شهرةً واسعةً في الممارسات العنيفة أو البلطجة السياسية. إذ أرسل الأمير محمد القوات المسلحة السعودية إلى اليمن، حيث قصفت المدنيين، وأمر بشنِّ حملة اعتقالات واسعة ضد علماء الدين والناشطين السعوديين، وضد عدد آخر من أفراد العائلة المالكة. إلى جانب ذلك، يُعتقد على نطاق واسع أن ابن سلمان هو الذي أرسل فريق من العملاء السعوديين لقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي وتقطيع جسده داخل القنصلية السعودية بمدينة إسطنبول عام 2018، على الرغم من أنه نفى أي عِلم مسبق بالخطة.

ولفت التقرير إلى أن الأمير محمد ربطته علاقة قوية بالرئيس الأمريكي ترامب وصهره وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، اللذين وفَّرا له الحماية، في كثير من الأحيان، من تحركات فروع أخرى من الحكومة الأمريكية (مثل الكونجرس) ضده لإدانته بسبب استيائهم من ممارساته. وقطع بايدن على نفسه وعدًا بتبني موقف مختلف عن سلفه تجاه السعودية، والتي وصفها، خلال حملته الانتخابية للرئاسة، بأنها «منبوذة»، إلى جانب أنه تعهد بالدفاع عن حقوق الإنسان ودعا إلى إعادة تقييم شاملة للعلاقات الأمريكية-السعودية.

تهدئة التوترات

وأكَّد التقرير على أن المسؤولين السعوديين لم يُعلنوا أو يتخذوا أي خطوة ملموسة لمعالجة مظاهر القلق الذي ينتاب إدارة بايدن. إذ تواصل القوات السعودية القتال في اليمن، بالإضافة إلى انتهاء محاكمة المتهمين بقتل خاشقجي قبل عدَّة أشهر من دون توجيه اتهامات لمسؤولين رفيعي المستوى أو مساءلتهم. إلا أن التغييرات التي أجرتها المملكة مؤخرًا قد تؤدي، على أقل تقدير، إلى التخفيف من العوامل التي تثير استفزاز الولايات المتحدة في بداية عهد بايدن.

وأشار الكاتب إلى أن هيئة حقوق الإنسان السعودية أعلنت يوم الاثنين أن حالات الإعدام التي نفَّذتها المملكة في عام 2020 بلغت 27 حالة، وهو عدد قليل مقارنة بـ 184 حالة إعدام سجَّلتها جماعات حقوق الإنسان في عام 2019، عندما احتلت السعودية المرتبة الثالثة بعد الصين وإيران. وقد تسببت طريقة السعودية في تنفيذ أحكام الإعدام، والمتمثلة في قطع رؤوس المحكوم عليهم بالإعدام في الساحات العامة غالبًا، في إثارة انزعاج أقرب حلفائها الغربيين لمدة طويلة.

وفي بيان نُشر على تويتر، أوضحت هيئة حقوق الإنسان السعودية أن تراجع عدد حالات الإعدام يُعزى إلى تعليق عقوبة الإعدام على الجرائم المتعلقة بالمخدرات، والتي كانت تمثل جزءًا كبيرًا من إجمالي أحكام الإعدام الصادرة في السنوات الماضية. وفي البيان، يقول عواد العواد، رئيس الهيئة، «إن الهيئة ترحب بهذه الأخبار والتي تدل على أن المملكة ونظامها القضائي يُركزان أكثر على إعادة التأهيل والوقاية أكثر من تركيزها على تنفيذ العقوبات فحسب».

العدالة الجنائية

وأوضح العواد أن السعودية ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة للجرائم التي يرتكبها القاصرون، مشيرًا إلى أن هذين التغيِيرين جزء من الإصلاحات التي يقود لواءها ولي العهد محمد بن سلمان.

وبدوره، رحَّب آدم كوجل، من منظمة هيومان رايتس ووتش التي تعارض عقوبة الإعدام، بالإعلان عن وقف تنفيذ عقوبة الإعدام في بعض الحالات، لكنه أعرب عن عدم تأكُّده من ما إذا كان هذا الأمر قد أُدرِج في القانون. وأشار إلى أن اللوائح الجديدة لم تُنشر بعد، بينما نُشِر بيان الهيئة السعودية لحقوق الإنسان على حساب تويتر الخاص بها باللغة الإنجليزية فقط، وليس باللغة العربية. وعلَّق كوجل قائلًا: «حتى لو انخفضت أعداد الأشخاص الذين يُنفَّذ في حقهم عقوبة الإعدام، يظل نظام العدالة الجنائية في السعودية جائرًا وغير منصف على نحو مشين».

وألمَح الكاتب إلى ما أحرزته السعودية، على مدار العام الماضي، من تقدمٍ ملحوظ في معالجة إحدى القضايا التي كانت سببًا في تقويض العلاقات مع الولايات المتحدة منذ أمد بعيد: حذف العبارات والنصوص المزعجة والمُحرِّضة على بُغْض غير المسلمين في المقررات الدارسية السعودية. ومنذ الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، والتي حَمَل 15 شخصًا من منفِّذيها التسعة عشر الجنسية السعودية، اشتكى المسؤولون الأمريكيون مرارًا وتكرارًا من المناهج الدراسية السعودية التي تُمجِّد في الجهاد وتُثنِي على الشهادة، إلى جانب تصويرها لليهود والمسيحيين على أنهم أعداء للدين الحق.

وفي حين أن المناهج الدراسية السعودية تُجرى عليها تعديلات متكررة مع مرور السنوات، ظلت كثير من العبارات والنصوص محل نزاع. وقد حُذف بعضها في الوقت الحاضر، إذ وجدت مراجعة حديثة للمقررات المدرسية السعودية للعام الدراسي 2020-2021 أن كثيرًا من المواد التي تُعد معادية للسامية قد حُذفت، بالإضافة إلى حذف النصوص التي تحث على الجهاد، وتلك التي توجب معاقبة المثليين والسحاقيات بالموت.

مراجعة المناهج السعودية وتقييمها

ورصد الكاتب ما خلُصت إليه المراجعة التي أجراها «معهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي أو IMPACT-se»، وهي منظمة بحثية مقرها تل أبيب، والتي كشفت عن عديد من التغييرات التي نفَّذتها السعودية منذ تقريرها السابق في العام الماضي. وشملت هذه التغييرات حذف فصل بعنوان «الخطر الصهيوني» وحديث منسوب إلى النبي محمد عن قتل المسلمين لليهود كافة في آخر الزمان.

ويُضيف الكاتب أن معظم الإشارات إلى الجهاد قد حُذفت، بما فيها وصف الجهاد بأنه «ذِرْوة سنام الإسلام». لكن المراجعة خلُصت كذلك إلى أن النصوص لا تزال تحتوي على قصة عن «عُصاة يهود» الذين وُصفوا في هذه النصوص بأنهم قِردة، بالإضافة إلى أقوال تفيد بأن المشركين الذين لا يتوبون سيُخلَّدون في نار جهنم للأبد.

وفي السياق ذاته، أعرب ماركوس شيف، الرئيس التنفيذي لـ«معهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي»، في مقابلة عن تفاؤله بأن السعودية تسير في الاتجاه الصحيح وبوتِيرة أسرع من ذي قبل. وقال شيف: «صحيحٌ أن هذه المقررات المدرسية السعودية لا تخلو من الكراهية والتحريض، لكن يبدو جليًّا أن السعودية بذلت جهودًا مؤسسية مضنية لتحديث المناهج الدراسية».

وعلى صعيد آخر، تعرَّضت السعودية لانتقادات واسعة بسبب محاكمتها لعدد من السعوديين المعارضين البارزين وسجنهم باتهامات أدانتها جماعات حقوق الإنسان؛ لأنها اتهامات ذات دوافع سياسية.

قضايا حقوقية بارزة

وأبرز الكاتب أنه بينما لم تُسقِط السعودية أي اتهامات في المدة التي سبقت وصول بايدن إلى سدَّة الحكم في الولايات المتحدة، كانت الأحكام التي صدرت في حق معارضَيْن سعوديَيْن بارزَيْن في القضايا التي طالما أثارت انتقادات المسؤولين الأمريكيين تهدف إلى إعفائهم من السجن أثناء وجود بايدن في البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، أيَّدت محكمة استئناف الحكم بإدانة وليد فتيحي، الطبيب السعودي الأمريكي، المتهم بالحصول على الجنسية الأمريكية من دون إذن وانتقاد دول عربية أخرى على تويتر. لكن المحكمة خفَّضت العقوبة إلى ثلاث سنوات وشهرين بدلًا من ست سنوات.

وتابع الكاتب موضحًا أن فتيحي كان قد قضى بالفعل نصف مدة العقوبة الجديدة، بينما أُوقف تنفيذ المدة المتبقية، وهو ما يعني أنه لن يضطر إلى العودة إلى السجن، على الرغم من أنه ممنوع من مغادرة السعودية لمدة 38 شهرًا.

وفي ختام تقريره، سلَّط الكاتب الضوء على قضية إحدى أشهر السجينات في السعودية وهي لُجين الهذلول، الناشطة المدافعة عن حقوق المرأة، والتي حُكم عليها الشهر الماضي بالسجن لمدة خمس سنوات وثمانية أشهر، بتهم تشمل تبادل المعلومات مع دبلوماسيين وصحفيين أجانب، ومحاولة تغيير النظام السياسي في السعودية. وانتقد جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، الحكم على تويتر ووصفه بأنه «جائر ومثير للقلق».

وأوضح الكاتب أن السعودية علَّقت تنفيذ عامين من عقوبة لجين مع احتساب المدة التي أمضتها في السجن، مما يعني أنه قد يُطلق سراحها الشهر القادم، وبعد ذلك لن يحتاج المسؤولون السعوديون إلى الإجابة عن تساؤل لماذا تقبع هذه الناشطة البارزة خلف القضبان. وكانت لُجين الهذلول قد استأنفت على الحكم، بالإضافة إلى رفض المحكمة مزاعمها بأنها تعرَّضت للتعذيب على يد مسؤولين سعوديين بعد اعتقالها في 2018.

الكاتب  Ben Hubbard

اقرأ السابق

القدس تجمعنا

اقرأ التالي

ماذا يمكن أن تتعلم إسرائيل من أصل لبنان؟