2021-09-21
bner4

هكذا يعتبر صراع النفوذ في سوريا فرصة لسلطان عمان

انسايد أرابيا –    ستاسا سالاسنين

تشير التحركات الدبلوماسية العُمانية في سوريا إلى أن السلطان الجديد “هيثم بن طارق” سيحاول اتباع نفس سياسة الحياد والوساطة التي اتبعها سلفه “قابوس بن سعيد” الذي كان أطول قادة الشرق الأوسط بقاء في منصبه.

وأثارت وفاة “قابوس” في يناير/كانون الثاني 2020 العديد من التكهنات حول ما إذا كان السلطان الجديد سيتبع خطى سلفه، حيث تُعزى الصورة البارزة للبلاد على المستوى الدولي إلى عهد “قابوس” الذي دام نصف قرن وعلاقاته الشخصية الممتازة مع القادة الإقليميين والدوليين.

وبالرغم من التزام السلطان الجديد بمواصلة سياسة الحياد الاستراتيجي للبلاد، يخشى العديد من المراقبين من أن التحديات الحالية التي تفرضها الجائحة العالمية إلى جانب انخفاض أسعار النفط، والتي تؤثر بشكل كبير على التوقعات الاقتصادية لسلطنة عمان، يمكن أن يكون لها تأثير على أنشطة سياستها الخارجية وإجبار السلطان “هيثم بن طارق” على التركيز على القضايا المحلية.

وكان الموقف المحايد تجاه النزاعات الإقليمية هو العلامة المميزة لسياسة مسقط الخارجية لمدة 50 عامًا، حيث سعى السلطان الراحل بمهارة، إلى عدم الانحياز الاستراتيجي قبل الحرب الباردة وبعدها، مما وضع البلاد في موقع وسيط محايد ومحترم بين الدول العربية وإيران والغرب.

وخلال فترة حكم”قابوس”، رسخ تصورًا عن عُمان كلاعب مستقل له علاقات قوية مع جميع القوى الإقليمية مع تجنب المنافسات بينهم في الوقت ذاته.

ونجحت عُمان، التي يتبع معظم مواطنيها المذهب الإباضي، في تجنب الوقوع في الانقسامات والخلافات بين السنة والشيعة، وبدلاً من ذلك عملت كوسيط وكعامل تصالحي في المنطقة.

دبلوماسية جريئة في سوريا

وبالرغم من التحديات المحلية العديدة، اتخذت عمان في الخريف الماضي خطوات دبلوماسية جريئة في سوريا، حيث لعبت دورًا متزايد الأهمية في الدولة التي مزقتها الحرب.

ومع أن جامعة الدول العربية علقت عضوية سوريا في عام 2011، وسحبت معظم دول الخليج سفراءها من دمشق في خضم دعمها لقوى المعارضة السورية، إلا أن عُمان رفضت الانضمام إلى الدول العربية الأخرى في استهداف “الأسد”، وأقامت علاقات دبلوماسية مع دمشق.

وفي مارس/آذار من العام الماضي، كانت عُمان أول دولة خليجية تعيد سفيرها إلى سوريا، وسبق أن أجرى وزير خارجية النظام السوري 3 زيارات إلى مسقط عام 2015 ومارس/آذار 2018 ويناير/كانون الثاني 2020 عندما قدم تعازيه في وفاة السلطان “قابوس”.

ويمكن أن يعود الموقف المحايد من الصراع السوري الآن بفائدة كبيرة على مسقط، حيث قد تصبح لاعباً دبلوماسياً مهما يستعيد الجسور بين سوريا والدول العربية الأخرى.

فبعد استعادة “الأسد” السيطرة على معظم سوريا بدعم من روسيا وإيران – العدو اللدود للرياض وأبوظبي – سعت بعض الدول العربية إلى المصالحة مع دمشق، بهدف الحد من نفوذ القوى غير العربية وغيرت تدريجياً من أولوياتها ومصالحها في سوريا مع تزايد قلقها من دور تركيا وإيران المتنامي.

وأعادت الإمارات والبحرين فتح سفارتيهما في دمشق في أواخر عام 2018 فيما يعد دفعة دبلوماسية لـ”الأسد”، كما أن الإمارات لديها قائم بالأعمال هناك أيضًا.

محاذير تدفئة العلاقات

ولكن، يحذر بعض المحللين من أن النهج الدبلوماسي العماني تجاه دمشق، يجب أن يُلعب بحذر شديد، حيث قد تؤثر علاقات مسقط الوثيقة مع “الأسد” على علاقاتها مع الولايات المتحدة، بعد أن فرضت واشنطن عقوبات كاسحة على سوريا.

ومع ذلك، قال “إدوين تران”، المحلل الجيوسياسي في “إنسايكلوبديا جيوبوليتيكا”، لموقع “إنسايد أرابيا” أن مشاركة عُمان مع سوريا لا تغير شيئًا.

ففي رأيه، لم تؤد الاجتماعات الرسمية بين كبار المسؤولين السوريين والعمانيين في السنوات الماضية إلى استجابة أمريكية تذكر. وفي الواقع، لعبت عمان أدوارًا مماثلة في صراعات أخرى.

وأضاف أنه حتى في الوقت الذي كانت فيه عمان تقيم علاقات ودية مع إيران في السنوات الأخيرة من الحرب الإيرانية العراقية، عززت الولايات المتحدة بالفعل علاقاتها مع عمان من خلال الوجود العسكري في البلاد.

وبالنظر إلى الطريقة المعروفة التي تعمل بها عمان، فطالما أنها لا تدعم “الأسد” بشكل صريح، وإنما تروج لنفسها كداعم لتطورات السلام والاستقرار، فليس لديها ما تخشاه فيما يتعلق بالانتقام الأمريكي، وفقًا لما يراه “تران”.

ويعتقد محللون آخرون مثل “جورجيو كافيرو” و”بريت سوديتك” أن قانون “قيصر” لحماية المدنيين في سوريا سيشكل تحديًا لعمان في سعيها للمساعدة في إعادة إعمار سوريا وإعادة تطويرها.

وقانون “قيصر” لعام 2019 الذي أصدره الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” هو قانون يعاقب النظام السوري والشركات التي تستفيد من الصراع السوري من خلال الانخراط في أنشطة إعادة الإعمار في البلاد.

ومع ذلك، ففي تقدير “تران”، فإن علاقات عمان مع سوريا لها تأثير ضئيل على علاقاتها مع الولايات المتحدة، كما أن الأمور ستتقلب مع انتقال الولايات المتحدة من إدارة “ترامب” إلى إدارة “بايدن”.

ويرى “تران” أن المسؤولين العمانيين سيعملون على الأرجح مع نظرائهم الأمريكيين لضمان أن تتماشى جهود إعادة الإعمار مع السياسة الأمريكية، حيث قال: “كما هو الحال مع اليمن، إذا أطّرت عُمان أفعالها في سياق إنساني، فلا أعتقد أنه ستكون هناك مشاكل كبيرة في التقدم بذلك الاتجاه”.

فرصة دبلوماسية كبيرة

وبالرغم أن عُمان لا تستضيف أي قاعدة عسكرية أمريكية دائمة – فقط منشآت عسكرية في ثمريت وجزيرة مصيرة – وليس لديها صفقات شراء عسكرية كبيرة مع واشنطن مثل جيرانها في مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لا تزال شريكًا عسكريًا مهمًا بسبب موقعها الاستراتيجي الذي يتيح الوصول إلى السفن البحرية الأمريكية.

علاوة على ذلك، استضافت عُمان محادثات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيران قبل الوصول إلى خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2015 وتوسطت في محادثات أولية بين الناتو وأفغانستان والصين وباكستان حول المفاوضات المستقبلية مع طالبان.

كما لعبت عُمان دورًا بناءًا وتصالحيًا للغاية في اليمن والأزمة الخليجية الأخيرة (وإن كان أقل) بين قطر ودول الرباعي.

وترتبط عودة دول الخليج إلى سوريا ارتباطًا وثيقًا بهدفها الجيوسياسي لردع طهران وأنقرة بينما تحاول إعادة دمج سوريا مرة أخرى في الحظيرة العربية.

كما أن الانخراط الخليجي الكبير في البلاد من شأنه أن يضر بالطموحات التوسعية التركية، وبذلك، سيكون لديهم الدعم الكامل من النظام السوري الذي أصبح معاديًا بشكل متزايد للتدخل التركي في شمال شرق البلاد.

وبينما يأمل نظام “الأسد” أن تلعب دول الخليج الغنية دورًا مهمًا في إعادة إعمار البلد المدمر، تعارض الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية هذا السيناريو بشدة، إذا ظل “الأسد” في السلطة.

وفي المقابل، أعربت روسيا، التي تدرك قلة الموارد المالية، عن دعمها للوجود الخليجي المتزايد في سوريا، حيث تنتظر موسكو أموال إعادة الإعمار وتتوقع مكاسب اقتصادية بعد تدخلها العسكري، لذلك لن يكون من المستغرب أن تسعى مسقط إلى استثمار علاقاتها الوثيقة مع موسكو وأبوظبي وطهران ودمشق.

ومع ذلك، ففي حين تسعى كل من روسيا ودول الخليج وإيران إلى تحقيق مصالح مماثلة، يتوقع بعض المحللين أن يدخلوا في منافسة شرسة لأن روسيا لن تسمح بالتأكيد لإيران أو دول الخليج بأخذ جزء كبير من الكعكة السورية.

وينطبق هذا بشكل خاص على قطاع النفط السوري، الذي أصبح بالفعل مصدر خلاف رئيسي بين روسيا والولايات المتحدة.

وهكذا، قد يؤدي دخول دول الخليج، التي لطالما نظرت إلى سوريا على أنها طريق مهم لأنابيب النفط باتجاه أوروبا، إلى زيادة تعقيد ذلك.

وتبدو لعبة الشطرنج المستمرة بشأن سوريا فرصة دبلوماسية كبيرة للحاكم العماني الجديد، حيث يعتقد “تران” أن عمان ستحاول على الأرجح تنظيم مفاوضات وحوار بين الأطراف المعنية بالصراع السوري.

وأضاف أن عمان بارعة في إدارة هذه المحادثات من الظل، وإذا نجحت، فسيكون هذا انتصارًا مهمًا في السياسة الخارجية للسلطان “هيثم بن طارق”، مثبتًا أنه قادر على تحمل إرث “قابوس”.

اقرأ السابق

الترامبية بالارقام

اقرأ التالي

بحثا عن استقرار: الاردن يحتاج الى عناق دافىء لمحفظة مفتوحة