2021-06-24
bner4

مخاطر الانتخابات الفلسطينية

محمد عايش يكتب

قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالدعوة لانتخابات عامة، يشكل خطوة بالغة الأهمية باتجاه إنهاء الانقسام الداخلي، وإنهاء حالة الجمود السياسي والتعطل الفصائلي المستمرة منذ 15 عاماً، كما أن هذه الخطوة التي كان قد تم الاتفاق عليها مع حركة حماس، خلال لقاءات المصالحة التي جرت في تركيا، تشكل حجر زاوية في الاتفاق بين حركتي فتح وحماس.

“ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم توافق داخلي، يأخذ بعين الاعتبار مشاركة الجميع ولا ضير في أن يظل القرار والغلبة في يد حركة فتح “.

ورغم صدور المرسوم الرئاسي بالفعل، إلا أن الانتخابات، كلها أو بعضا منها، قد لا تتم بسبب وجود الكثير من العقبات التي يمكن أن تواجهها، خاصة ما يتعلق بالمجلس الوطني الفلسطيني الذي يمثل فلسطينيي الداخل والخارج معاً، ولا يعلم أحد كيف سيتم إحصاؤهم ولا اقتراعهم ولا تمثيلهم، فضلاً عن أن «المجلس الوطني» يُشكل الهيئة الأعلى، كونه مؤسسة تابعة لمنظمة التحرير وليس للسلطة، وكونه يمثل كل الفلسطينيين، وليس بعضاً منهم (اللاجئون في المنفى أكثر من ضعفي المقيمين في الضفة وغزة) وعليه فإن مشاركة حركة حماس فيه يعني بالضرورة أنها أصبحت جزءاً من المنظمة.

وأما الاستعدادات الجارية للانتخابات الفلسطينية العامة، ومساعي إنهاء الانقسام الداخلي، التي تبدو اليوم أكثر جدية من أي وقت مضى، خاصة مع شعور الكل الفلسطيني بمخاطر المشروع الأمريكي الإسرائيلي، الذي يتمثل بصفقة القرن، وضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، فمن المهم الالتفات الى الحقائق التالية:

أولاً: الانتخابات هي أحد إفرازات العملية الديمقراطية وواحدة من أهم أدواتها، والديمقراطية نظام سياسي لا يتجزأ، ولا ينجح إلا بشرطين هما وجود دولة، وأن يتمتع الشعب في هذه الدولة بدرجة عالية، أو كافية من الرفاه الذي يتيح له التفكير في التغيير، وفي البرامج وفي الأحزاب وغير ذلك، ولذلك فإننا نجد ديمقراطية مشوهة في بعض الدول النامية، التي تفتقد لاقتصاد قوي ورفاه اجتماعي، إذ في الدول الفقيرة يبيع الناخب صوته ببضعة دولارات حتى يشتري طعاماً لأطفاله.. وعليه فإن الانتخابات في كيانات سياسية أو تنظيمات، أو حركات مقاومة، تبدو أقرب إلى العبث منها الى إنتاج شيء نافع.

ثانياً: لا يحتاج الفلسطينيون اليوم الى انتخابات، فصناديق الاقتراع هي التي أنتجت السنوات الـ15 العجاف الماضية، وهي التي تسببت بالانقسام والصراع الداخلي، فما يحتاجه الفلسطينيون اليوم هو توافق داخلي، يأخذ بعين الاعتبار مشاركة الجميع ولا ضير في أن يظل القرار والغلبة في يد حركة فتح. وهذا هو حال الثورات على مرّ التاريخ، حيث تتشكل الديمقراطية بعد الدولة وليس قبلها، أما في مرحلة المقاومة فلا معنى للانتخابات.. وماذا لو صوت عوام الناس في أغلبهم لإلقاء السلاح، أو باع الفقراءُ أصواتهم لمن يملك المال والنفوذ، هل ستتخلى حماس وفتح عن المقاومة وتقبلان بالاحتلال؟ وهل يُستفتى أصلاً ناخبون يعيشون تحت حراب الاحتلال؟ أم أن الأولى أن يتمتع الناخبون بالحرية أولاً، ثم يتم استدعاؤهم من أجل الانتخاب؟ وبالمناسبة فالنظرية ذاتها تنسحب على الانتخابات العبثية التي تجري داخل الحركات السياسية، خاصة الحركات الاسلامية، إذ يفوز القيادي بأصوات عشرين أو ثلاثين عضواً، وهؤلاء تستطيع إقناعهم بالتصويت لصالحك بواسطة رسالة نصية، أو بوليمة طعام، أي أن المرشح يفوز بـ»الكولسة والتنسيق» لا بالانتخاب الحُر.

ثالثاً: الانتخابات الفلسطينية تواجه تهديداً استراتيجياً بالغ الأهمية والحساسية، وهي أنها لا تجري فقط في ظل صراع بين حركتي فتح وحماس، وإنما ثمة انقسام داخل حركة فتح أيضاً، وثمة تيار يقوده القيادي المفصول محمد دحلان، وخطورة هذا التيار أن لديه من الأموال ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، والمصيبة أن السفير الأمريكي في اسرائيل قال في زلة لسان لجريدة «جيروزاليم بوست» إن الإدارة الأمريكية تريد هذا التيار كبديل لحركة فتح وللرئيس عباس، ما يعني في نهاية المطاف أن هذه الانتخابات قد تنتهي إلى صعود تيار ثالث بإرادة أمريكية إسرائيلية وتمويل خليجي، ويتحول الفلسطينيون إلى خيارات أحلاها بالغ المرارة.

رابعاً: أخطأت حركة حماس عندما شاركت في انتخابات 2006، والمطالبة بانتخابات جديدة والمشاركة فيها ليس سوى مكابرة ومحاولة لعلاج الخطأ بخطأ آخر. والأصح هو أن تقوم الحركة بمراجعة لقراراتها السابقة، ومآلات تلك القرارات، لا أن تصبح كلاعب القمار، الذي يتمسك باللعبة أكثر كلما خسر فيها، على أمل تعويض الخسارات السابقة.

ثمة الكثير من المخاوف التي تتعلق بالانتخابات الفلسطينية المقبلة، والمؤكد أن عام 2021 سيكون مزدحماً بالتطورات المتعلقة بالملف الفلسطيني، وما دامت الانتخابات مطلباً للمتخاصمين كافة من أجل المصالحة، وحَكَماً يقبلون به فهي بكل تأكيد خطوة ممتازة، لكن هذا لا يعني أنها الخطوة الصائبة، وهذه الانتخابات التي هي أشبه بلعبة القمار، ربما تنتهي بخسارة جميع من طالبوا بها وندمهم على إجرائها. على كل الفلسطينيين، بمن فيهم حماس وفتح، أن يتذكروا أن السلطة الفلسطينية ليست دولة حتى نبحث لها عن نظام ديمقراطي أو غيره، وعليهم أيضاً أن يؤمنوا بأن الانتخابات داخل الحركات السياسية، ليست سوى ممارسة عبثية وشكلية، لأن الفلسطينيين كشعب يعيش تحت الاحتلال ليس لديه لا دولة ولا رفاهية الممارسة الديمقراطية، كما أن الفصائل الفلسطينية ليست سوى حركات مقاومة تنتهي مهمتها عند بناء الدولة، وحينها نتوجه الى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس وبرلمان وبلديات وغيرهم.

الخطوة الصحيحة، والمطلوبة اليوم، هو التوافق الداخلي الفلسطيني بما يضمن إنهاء الانقسام طوعاً والعودة الى مربع مقارعة الاحتلال، مع إشراك الجميع في القرار السياسي الوطني، وهذا كله يمكن أن يتم بإصلاح منظمة التحرير، وضم الفصائل كافة إليها، وتشكيل مجلس وطني جديد يُمثل الفصائل والشرائح كافة. وستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله.

 * كاتب فلسطيني .

اقرأ السابق

جسور وطرق جديدة بين شارع بنسلفانيا الواشنطوني وعواصم الشرق الأوسط

اقرأ التالي

سيناريوهات الانتخابات بعد صدور المراسيم (1 – 2)