2021-09-23
bner4

جسور وطرق جديدة بين شارع بنسلفانيا الواشنطوني وعواصم الشرق الأوسط

مالك العثامنة 

في الموضوع المتعلق بالسلام بين إسرائيل والفلسطينيين، فإن التسريبات والترشيحات والتصريحات الواردة من إدارة بايدن “المستجدة” تتحدث بمجملها عن العودة إلى “حل الدولتين”.

الكثير من المعنيين “خصوصا في الجانب الفلسطيني” تلقى ذلك بارتياح، وهو ارتياح وهمي سينتهي بصدمة “واقع حال” كبيرة تضع الجميع أمام حائط مسدود، ومن جديد في هذا النزاع الذي بدأ يأخذ طابع “الملاحم الإغريقية”.

“حل الدولتين” يعني العودة إلى واقع ووقائع عام 1994 على الأقل، حين كان واقع ذلك الزمان يتماهى ويتطابق مع طروحات حل دولتين على تلك الجغرافيا المتنازع عليها بين نهر الأردن والبحر المتوسط.

وإدارة بايدن “المستجدة” بكل ما تحمله معها من انسحابات جرفية هائلة عن سياسات إدارة ترامب السابقة لها لا تستطيع أن تعيد الواقع ولا الزمان إلى عام اتفاق أوسلو ومؤتمر مدريد قبله.

إعادة فتح مكاتب الفلسطينيين في واشنطن، واستئناف ضخ الدولارات الأميركية إلى وكالة غوث اللاجئين، أو حتى تقديم الهبات والمساعدات المالية للسلطة، وغير ذلك من سياسات أميركية جديدة ليست أكثر من اعتذار “قاصر عن تغيير الواقع” من واشنطن عن سياسات ترامب وإدارته، وتلك الإجراءات لا تخدم “حل الدولتين” بقدر ما هي تخدم استمرارية السلطة البائسة في رام الله لتطيل عمر إدارتها كوكالة أمنية “محدودة السيادة جدا” على ما تبقى من جغرافيا قليلة يتكثف فيها الفلسطينيون كسكان في محمية، لا مواطنين في دولة.

” الدولة الفلسطينية غير قابلة للحياة بعد لكن الفلسطيني في تلك الجغرافيا هو الذي يستحق الحياة “.

ونظرا إلى انه صار واضحا من جدول أعمال إدارة بايدن بأن التعامل مع إيران سيكون على رأس الأولويات فيها فهذا يعني تراجع البحث عن حلول جدية لعملية السلام “المشلولة” بين الفلسطينيين وإسرائيل، أو بشكل براغماتي أكثر دقة وضع تلك الحلول رهنا لمستجدات العلاقة الأميركية – الإيرانية (مع الحفاظ على المصالح الأمنية الإسرائيلية بالضرورة).

فعليا، فإن “أوسلو” انتهت فعليا كاتفاق قابل للتحقيق، لكن أهم ما حققته أوسلو والفضل الحقيقي يعود إلى مؤتمر مدريد، هو تأسيس فكرة السلام كحل للصراع الطويل بين الإسرائيليين والعرب (والفلسطينيين خصوصا).

فكرة الحل السلمي هي المجال الحيوي الوحيد الذي يمكن الحديث عنه وفيه والانطلاق منه لأي حلول قادمة، حتى من بينها ما أقره الحزب الديمقراطي الأميركي في برنامجه لعام 2020 (الذي انقضى) كدعوة لإنشاء دولة فلسطينية “قابلة للحياة” وأن للفلسطينيين “حرية حكم أنفسهم”.

ومع كل ما أورثته إدارة ترامب من إشكاليات ومفاجآت لم تغير الواقع بقدر ما خلقت تعقيدات ضخمة فيه، فإن الدولة الفلسطينية غير قابلة للحياة بعد، لكن الفلسطيني في تلك الجغرافيا هو الذي يستحق الحياة كإنسان له كرامته الإنسانية، والذي تتدنى مستويات حقوقه إلى حدود لا يمكن احتمالها مما يضعه في خانة القهر المفضية بالضرورة إلى التطرف والحلول “الخلاصية الغيبية”، وهي حلول ستجد حواضن لها تبررها وتخلق منها “حل نهائي” بديل عن السلام المنشود.

إن إدارة بايدن فعليا لا تحمل مبادرة سلام جدية، بل هي إجراءات “فك توتر” تساعد على إدارة الأزمة الراهنة لا حلها، لكنها في نفس الوقت تحمل “نوايا” البحث عن حلول بعيدة عبر مفاوضات مستمرة قد لا تحمل أهدافا بين المتفاوضين إلا إعادة الثقة في الحوار نفسه.

عند الإسرائيليين، فهذا متطلب صعب مع وجود حكومة يمينية صعبة مثل حكومة نتانياهو، ولكن الحل يكمن في انتخابات قريبة وقادمة يقرر فيها الإسرائيليون توجههم الحقيقي في الصراع.

عند الفلسطينيين، فالقضية أكثر تعقيدا لغياب “الديمقراطية” في ظل حكم سلطة فاسدة أصلا، وقمعية بالدرجة الأولى لا تمثل صوت الفلسطينيين، ولا تملك حتى استراتيجية متماسكة لصراعها السياسي مع إسرائيل، وكل أدواتها في الصراع لا تتجاوز خطاب إنشائي قابل للإجترار دوما وباستمرار، وهي في النهاية سلطة تخدم اليمين الإسرائيلي خصوصا، وعموما ستكون إسرائيل أول المدافعين عن أي خطر يقوض سلطة أبو مازن وفريقه الحاكم في رام الله.

إلى أين يقودنا ذلك في ظل التطورات السريعة والمكوكية في عواصم الشرق الأوسط خلال الأيام الماضية؟

الرئيس المصري يقوم بزيارة إلى العاصمة الأردنية، وهي زيارة فيها عنصر مفاجأة في الخروج على رتابة السياق الشرق أوسطي، وكذلك هي زيارة أعقبت لقاءات جمعت مدراء المخابرات المصرية والأردنية مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

تنشيط الدورين الأردني والفلسطيني يعني تغيرا في منهجيات السياسات الأميركية، أو ربما عودة إلى منهجيات ما قبل إدارة ترامب التي انفردت بالحلول الصادمة والمنفردة.

الدور المخابراتي في حمل الرسائل يعني جدية لها صيغة أمنية في الحلول القادمة، وهو ما يعني أيضا رفع مستوى الجدية في الرسالة المرسلة إلى القيادة الفلسطينية في رام الله.

ومع الأخذ بعين الاعتبار أن “معالجة مشكلة إيران سياسيا” هي على رأس أولويات إدارة بايدن، فإن واشنطن ومع حلفائها في المنطقة قد يعملون على مقاربة جديدة تتعلق بإغلاق “الباب الفلسطيني” أمام مزاودي حل المقاومة ووقف عمليات المتاجرة بالقضية الفلسطينية من باب “الكفاح المسلح” الذي يعطي عند هؤلاء “المقاومين” شرعية التدخل بالعمل الإرهابي.

من هنا، يمكن تلمس الرسائل التي حملها مديري المخابرات من القاهرة وعمان إلى رام الله، والتي يمكن قراءتها “تحليلا” بأنها محاولة لإبلاغ السلطة بتلك التغييرات، ودفعها للتموضع من جديد حول المنهجية الجديدة، وهذا بالتوازي مع جهد مصري متزامن وحثيث يعمل على “تسييس” حماس ووضعها ضمن أطر اللعبة السياسية الجديدة التي لن تخرج عن مفهوم “الحوار والمفاوضات والسلام” مع إسرائيل.

هذا كله ترافق مع “معلومات” وصلتنا من مصادر في العاصمة الأردنية عمان وأكدتها مصادر رديفة في واشنطن أن الرسالة التي حملها مدير المخابرات الأردنية معه من عمان إلى رام الله، وهمس فيها بأذن أبو مازن تتعلق بمخاوف أردنية جدية ومبنية على حسابات بالأرقام أن الانتخابات “الفلسطينية” القادمة قد تحمل فيها الصناديق حماس والمقاومة الإسلامية إلى شرعية وجود جديدة، وأن عمان – حسب الرسالة في رام الله – لن تتحمل مخرجات فشل وإخفاقات السلطة من جديد.

تلك تحركات سياسية تدركها إسرائيل وحكومة نتانياهو، وهي غير راضية عنها بالضرورة لما تعكسه من تراجع هائل عن كل مكتسبات إسرائيل في ظل إدارة ترامب، لكن واشنطن “الحليفة لإسرائيل لا لنتانياهو” تراهن على انتخابات إسرائيلية قادمة، هي غير قادرة على التدخل فيها “بحكم متانة المؤسسات الديمقراطية الإسرائيلية” لكنها متمكنة من تلمس وعي الشارع الإسرائيلي وتوجهاته التي ولت مراحل يأس غير مسبوقة، وللإنصاف فهو يأس يشمل الشرق الأوسط كله، والذي يحاول كل اللاعبين فيه إعادة “التموضع” ضمن المعطيات الجديدة، حتى أن زيارة الرئيس المصري إلى العاصمة الأردنية تدخل ضمن “حركة التموضع” على مقاييس واشنطن المستجدة فحسب ذات المصادر من عمان فإن الرئيس السيسي الذي سيلتقي العاهل الأردني ” المرتاح جدا في علاقته مع شارع بنسلفانيا في واشنطن” سيطلب منه وساطة أردنية لتخفيف الضغط الذي بدأت واشنطن ممارسته على القاهرة في عدد من الملفات أبرزها ملف حقوق الإنسان والخشونة الأمنية في التعامل مع الأصوات المصرية المعارضة.

*إعلامي أردني مقيم في بلجيكا، متخصص في شؤون الشرق الأوسط- عن موقع الحرة .

اقرأ السابق

الأرن.. موازنة معقدة

اقرأ التالي

مخاطر الانتخابات الفلسطينية