2021-09-23
bner4

كيف تؤثر “الحزام والطريق” الصينية في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط؟

المركز العربي واشنطن دي سي – تشارلز دان – 18/1/2021

بعد أكثر من 7 أعوام من إعلان الرئيس الصيني “شي جين بينج” عن مبادرة بلاده “الحزام والطريق”، برز مشروع البنية التحتية والتنمية الاقتصادية الواسع باعتباره “أهم مبادرة استراتيجية وطموحة في القرن الـ21 حتى الآن”، وفقا لـ”فريق عمل البنية التحتية العالمية التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”.

ومن المقرر الانتهاء من هذه المبادرة في عام 2049، الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية.

وتهدف المبادرة إلى ربط آسيا بأوروبا عبر أفريقيا والشرق الأوسط، وتحفيز الاستثمار وزيادة التكامل الاقتصادي العالمي وفقا لشروط تم تحديدها إلى حد كبير في بكين.

وتصل الاستثمارات الصينية المتوقعة إلى أكثر من تريليون دولار بحلول عام 2027، وذلك في قطاع الموانئ والمطارات، وكذلك شبكات الطرق والسكك الحديدية والاتصالات السلكية واللاسلكية ومحطات توليد الطاقة.

كما تم التخطيط لـ50 منطقة اقتصادية خاصة على طول الطريق.

وكانت مشاريع المبادرة الصينية محفزا كبيرا للنشاط الاقتصادي، حيث ولدت نحو 90 مليار دولار من الاستثمارات ذات الصلة اعتبارا من عام 2019.

لكن “كوفيد-19” أعاق استثمارات الصين المرتبطة بالمبادرة؛ حيث شهدت الأشهر الـ6 الأولى من عام 2020 انخفاضا بنحو 50% عن الفترة المماثلة في عام 2019، من 46 مليار دولار إلى 23.4 مليارات دولار.

وفي الواقع، جادل بعض المحللين بأنه بالرغم من اتساع نطاق المبادرة، إلا أنه ربما يكون من المبالغة الحديث عن نجاحاتها.

وليس هناك شك في أن المشروع واجه مشكلات، بما في ذلك أسئلة حول الاستدامة، واتهامات بالفساد، وتصور مبادرة الحزام والطريق كواجهة للهيمنة الصينية.

ويوفر الانفصال الواضح بين النطاق والطموح والنجاحات المشكوك فيها لمبادرة الحزام والطريق، وأوجه القصور السياسية والاقتصادية فيها، فرصة للولايات المتحدة.

وفي الشرق الأوسط، يمكن لهذه الفرصة أن تساعد في إعادة تحديد الدور الأمريكي في المنطقة حتى في الوقت الذي تفكر فيه واشنطن في تقليص نفوذها العسكري والدبلوماسي.

ويمكن لمثل هذه الاستراتيجية أن تلعب دورا مهما في استجابة الولايات المتحدة الشاملة للعبة الصين السياسية والاقتصادية، وهو دور من المؤكد أن إدارة “بايدن” ستعيد النظر فيه.

الحزام والطريق .. نطاق واسع وأسئلة جادة

وبحلول عام 2018، كانت الصين قد وقعت مع 72 دولة في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا للمشاركة في جوانب مختلفة من مبادرة الحزام والطريق.

وتمثل هذه البلدان معا أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي وأكثر من نصف سكان العالم.

وبشكل عام، وقعت 125 دولة على شكل من أشكال الاتفاقيات المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق مع الصين.

وتم دمج مبادرة الحزام والطريق رسميا في الدستور الصيني عام 2017 كدليل على مركزية المبادرة في خطط بكين لمصيرها العالمي.

ومع ذلك، فقد ولّدت المبادرة نصيبها من النقد.

وأعاقت الاتهامات بالفساد مشاريع مبادرة الحزام والطريق في كل خطوة على الطريق، ما أدى إلى رد فعل سلبي ضد بكين.

وعلى وجه التحديد، يعد التدهور البيئي المرتبط بالاحترار العالمي مصدر قلق آخر.

ووفقا لأحد التقديرات، قد يؤدي التطوير المخطط للمبادرة إلى ارتفاع درجة الحرارة العالمية فوق المستوى الحرج درجتين مئويتين، ويمكن أن تشكل مشاريع مبادرة الحزام والطريق وحدها 66% من الانبعاثات العالمية بحلول عام 2050.

علاوة على ذلك، شهدت العديد من البلدان شكلا من أشكال “ندم المشتري” بسبب تسرعها الحماسي لاحتضان المبادرة قبل أن تفكر في أعباء الديون التي تصاحب المشاريع المرتبطة بها.

ويعتقد الكثيرون أن بكين تنصب “فخ الديون” للدول عن قصد للسيطرة على الأصول الاستراتيجية.

على سبيل المثال، بعد أن تخلفت سريلانكا عن سداد قرض صيني ضخم لبناء ميناء في مدينة هامبانتوتا جنوب شرق البلاد عام 2018، سيطرت الصين على الميناء ذي الموقع الاستراتيجي بعقد إيجار مدته 99 عاما.

ويشيع التصور القائل بأن الصين والشركات المملوكة للدولة تتلقى منافع غير متناسبة من مشاريع مبادرة الحزام والطريق، الأمر الذي يعني الإضرار بالقوى العاملة المحلية، وتهديد السيادة، وتعزيز الفساد والاستبداد في الحكومات الشريكة.

المضي قدما في الشرق الأوسط

وبالرغم من هذه المخاوف والانتقادات، تحركت الصين بأقصى سرعة للأمام لتحقيق الأهداف الرئيسية لمبادرة الحزام والطريق.

وكانت سرعة وتصميم بكين أكثر وضوحا في الشرق الأوسط. وأصبحت الصين أكبر مستثمر أجنبي في المنطقة في عام 2016، ومنذ افتتاح المبادرة، ضخت بكين ما لا يقل عن 123 مليار دولار في الشرق الأوسط في تمويل المشاريع المرتبطة بالمبادرة.

وتم تحديد العديد من البلدان هناك لمشاريع الموانئ والبنية التحتية الرئيسية، بما في ذلك السعودية والإمارات وسلطنة عمان وجيبوتي ومصر.

وكذلك وقعت الصين اتفاقيات لتزويد جميع دول مجلس التعاون الخليجي بشبكات الجيل الخامس، وهي علامة أخرى على العلاقات الاقتصادية المتنامية باستمرار مع بكين، فضلا عن انفتاح الخليج على تكامل أعمق مع خطط التنمية العالمية للصين.

وتعمل إيران والصين معا بشكل وثيق، وفي عام 2020 ظهرت تقارير تفيد بأن البلدين على وشك الانتهاء من اتفاقية تجارية وأمنية ضخمة مدتها 25 عاما بقيمة 400 مليار دولار.

ولا تنشغل أذهان الأثرياء في المنطقة أو السلطويين المنتجين للنفط بـ”فخ الديون” والمخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان، ما يشير إلى نية واضحة نسبيا لتعاون أعمق مع بكين.

وفي الواقع، نمت العلاقات السياسية والاقتصادية بين بكين ودول الخليج بشكل ملحوظ على مدى الأعوام القليلة الماضية، بما يتماشى مع استراتيجية التجارة والاستثمار والبنية التحتية التي وضعتها الحكومة الصينية ولا سيما استراتيجية بكين المسماة بـ “ورقة السياسة العربية” لعام 2015.

وفي حين أن استراتيجية الصين للانخراط في الشرق الأوسط قد توصف بأنها حميدة، إلا أنها في الواقع ترافقت مع توسع الصورة العسكرية والدبلوماسية للصين في الشرق الأوسط.

ويُنظر إلى مبادرة الحزام والطريق على أنها مفتاح لتعزيز النفوذ الأمني ​​الصيني في المنطقة.

ووفقا لتقرير صدر عام 2019 عن لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة والصين، يهدف ترويج بكين لمبادرة الحزام والطريق إلى زيادة التعاون العسكري وتصدير تقنيات الرقابة والمراقبة إلى دول مشاركة في مبادرة الحزام والطريق.

وبرز مشروع الحزام والطريق الصيني باعتباره المفهوم التنظيمي الأوضح وراء توسع جيش التحرير الشعبي الصيني في التواجد الخارجي.

ويعد الاهتمام الصيني بتوسيع وإنشاء وتأمين الوصول إلى الموانئ على طول طريق الحرير البحري، وخاصة في الشرق الأوسط، عنصرا حيويا في الاستراتيجية الصينية في المنطقة التي تعتمد الصين عليها بنسبة 40% لتأمين وارداتها من النفط الخام.

ويُنظر إلى افتتاح قاعدة بحرية صينية في جيبوتي عام 2017، بالإضافة إلى المشروع الضخم بقيمة 50 مليار دولار في ميناء جوادر الباكستاني، وهو جزء مهم من الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، على أنهما أساسيان لتسهيل خطط الصين لإبراز قوتها في خليج عدن وبحر العرب والخليج العربي.

كما أن العلاقات البحرية بين الصين وإسرائيل آخذة في التوسع، إلى حد ما، الأمر الذي يثير الذعر لدى الولايات المتحدة.

وفي عام 2015، وقعت إسرائيل اتفاقية طويلة الأمد مع شركة صينية لتشغيل ميناء حيفا على البحر المتوسط، بدءا من عام 2021.

وأثارت الصفقة اعتراضات شديدة من الولايات المتحدة تركزت على إمكانية جمع المعلومات الاستخباراتية الصينية ضد الأسطول السادس الأمريكي، الذي كثيرا ما ترسو سفنه في حيفا.

رد ضعيف من الولايات المتحدة.. لكن ربما لم يفت الأوان

وبدت واشنطن، في بعض الأحيان، غير متأكدة مما يجب فعله.

وفي عهد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” انسحبت الولايات المتحدة من الشراكة عبر المحيط الهادئ، وهي اتفاقية تجارة حرة بين 12 دولة تشكلت جزئيا لموازنة نفوذ الصين.

وفشلت الولايات المتحدة في تطوير أي نوع من “الاستراتيجية الكبرى” البديلة، وقد أضرت حرب “ترامب” التجارية المتبادلة مع بكين بالمنتجين الأمريكيين، لا سيما في القطاع الزراعي، بينما حثت الحلفاء السابقين على توسيع العلاقات الاقتصادية الخاصة مع الصين.

وفي عام 2020، أعلنت الولايات المتحدة عن حزمة متأخرة من المبادرات لمواجهة توسع مبادرة الحزام والطريق.

وشملت هذه الحزمة إنشاء “معايير مشتركة لتطوير البنية التحتية العالمية”، فيما يسمى بـ”الشبكة الزرقاء”، وهي محاولة لمنع الصين من وضع معايير البنية التحتية العالمية من جانب واحد.

كما شملت هذه الحزمة مشروع تدعمه مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية الجديدة للعمل مع شبكات عبر المحيط الهادئ للمساعدة في بناء أطول كابل اتصالات تحت سطح البحر في العالم لربط المحيطين الهندي والهادئ.

وتعد هذه المشاريع جزءا من “الرؤية الاقتصادية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ” الأوسع للولايات المتحدة، والتي تم الإعلان عنها في عام 2018 ردا على مبادرة الحزام والطريق.

وقدمت الشراكة في البداية 113 مليون دولار من الاستثمارات الأمريكية المباشرة، وضاعفت حد الإنفاق العالمي لمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية الجديدة إلى 60 مليار دولار، والتي يمكن استخدامها لإقراض الأموال للمشاريع الخارجية.

ومع ذلك، لا ترقى مثل هذه الجهود إلى مستوى الاستثمار المالي والسياسي لبكين في مبادرة الحزام والطريق.

بالإضافة إلى ذلك، ركزت ردود فعل واشنطن السياسية المحدودة بشكل شبه حصري على منطقة المحيط الهندي والهادئ.

ولم تتحرك الولايات المتحدة تقريبا لمواجهة تأثير مبادرة الحزام والطريق في توسيع العلاقات الصينية في الشرق الأوسط، بما في ذلك التداعيات على التوازن السياسي العسكري في المنطقة.

ويعتبر ذلك خطأ لسببين. الأول هو أن المكاسب الصينية تأتي على حساب النفوذ الأمريكي، وهو تصور يمكن أن يتحول إلى حقيقة، بالرغم من المبالغة فيه، إذا تم تركه دون رادع.

والثاني هو أن الولايات المتحدة ربما تضيع فرصة لتعزيز موقعها في المنطقة على حساب الصين.

خيارات الولايات المتحدة

وكما أن الصين استفادت مجانا من الهيكل الأمني ​​الأمريكي المكلف والمُشيد بشق الأنفس في الشرق الأوسط، فقد تفكر الولايات المتحدة في كيفية الاستفادة من مبادرة الحزام والطريق التي تمولها الصين لصالحها.

وبينما تفكر واشنطن في تقليص موقفها الأمني ​​في المنطقة، فمن المحتمل أن تفكر في كيفية التعامل مع المبادرة الصينية بطريقة تعزز الموقف الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة وتحد من التهديد الذي قد تشكله المبادرة على النفوذ الإقليمي الأمريكي.

وفي البداية تحتاج واشنطن إلى تضمين الشرق الأوسط في تفكيرها الاستراتيجي حول مبادرة الحزام والطريق بدلا من التعامل معها في المقام الأول على أنه تحدٍ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وستحتاج الولايات المتحدة إلى توسع البرامج التي تهدف إلى تشجيع التكامل الاقتصادي الإقليمي في الشرق الأوسط، لا سيما “شبكة النقطة الزرقاء” التي يمكن أن تساعد الشركات الأمريكية التي تسعى للحصول على حصة من مشاريع مبادرة الحزام والطريق ذات صلة.

ويمكن للولايات المتحدة أيضا أن تقدم تمويلا لمشاريع الشركات الأمريكية التي ترغب في التنافس مع الشركات الصينية، لا سيما تلك التي ستستخدم أنشطة البنية التحتية التي تمولها وتطورها بالفعل الشركات الصينية.

وستضع السفارات الأمريكية في المنطقة على رأس أولوياتها منح ميزة للشركات الأمريكية التي تسعى للمشاركة في الأنشطة المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق.

يشار إلى أنه حتى إذا تم أخذ التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين في الاعتبار، فيمكن لمشاريع مبادرة الحزام والطريق أن تعزز الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنسبة 1.4% بحلول عام 2040، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى المكاسب في التجارة العالمية التي من المتوقع أن يولدها تطوير المبادرة. وستلعب الفرص في الشرق الأوسط دورا مهما في تحقيق هذه المكاسب.

ثانيا، من المحتمل أن تستفيد الولايات المتحدة من المظلة الأمنية الحيوية التي توفرها للحلفاء الرئيسيين في الشرق الأوسط، لا سيما في الخليج، لضمان أن يكون لواشنطن رأي في تطوير البنية التحتية لمبادرة الحزام والطريق في المنطقة.

وبالنظر إلى التداعيات الأمنية والاستخبارية لمشاريع الصين المتعلقة بالمبادرة، فلدى الولايات المتحدة حجة مشروعة للقيام بدور رقابي، لا سيما عندما تكون هذه المشاريع على مقربة من المنشآت أو الأصول العسكرية الأمريكية.

وبدلا من الإصرار على أن تتشارك الصين المزيد من العبء الأمني ​​للمساعدة في حماية وصولها إلى نفط الشرق الأوسط، يمكن للولايات المتحدة استغلال اعتماد كل من الصين والدول الإقليمية على الوجود الأمني ​​الأمريكي للإصرار على وضع مصالح واشنطن الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية كأولوية.

ثالثا، قد تركز واشنطن الضوء على العثرات العديدة في مبادرة الحزام والطريق فيما يتعلق باستدامة المشروع، والفوائد المحدودة التي تعود على القوى العاملة المحلية، وخاصة ملفات مثل الفساد، والعوامل التي تضر بشكل مباشر بمواطني الدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق.

وأثار الفساد، على وجه الخصوص، غضبا كبيرا في العديد من بلدان المنطقة، حيث إنه يؤثر على كل شيء من الحياة اليومية إلى الحوكمة الوطنية إلى حقوق الإنسان.

ويجب على الرئيس الأمريكي المنتخب “جو بايدن”، الذي وعد بجعل مكافحة الفساد سمة مميزة لسياسته الخارجية، أن يركز الانتباه على هذه القضية لرفع التكاليف التي تتحملها الصين لمتابعة المبادرة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. وسوف يساعد هذا أيضا في تعزيز تأكيدات “بايدن” بأنه، على عكس “ترامب”، لن يقوم بعد الآن بتدليل المستبدين في المنطقة بشأن قضايا حقوق الإنسان.

ومن خلال اتباع نهج أكثر ذكاء، يمكن لإدارة “بايدن” المساعدة في التخلص من إرث إدارة “ترامب” وبدء حقبة جديدة للدبلوماسية الأمريكية تستطيع تحويل استراتيجية الصين العالمية لصالح الولايات المتحدة، وخاصة في الشرق الأوسط.

اقرأ السابق

ميرتس مرة أخرى في الطريق الصحيحة

اقرأ التالي

الردود العربية والإيرانية على أعمال الشغب في الكابيتول هيل